صافي الكردي
بسم الله الرحمن الرحيم
خاطرة عن المحبة
الحمد لله رب العالمين, حمداً يوافي نعمه, ويكافئ مزيده, لك الحمد كما ينبغي لجلالك وعظمة جمال وجهك الكريم, سبحانك لا نحصي ثناءً عليك, كما أثنيت أنت على نفسك, والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد الهادي الأمين وآله وصحبه أجمعين.أما بعد: فإن من أركان هذه الطريقة الشاذلية اليشرطية الشريفة هي أربعة أركان هم.
( محبة, وذكر, وفكر, وتسليم )
نقول وبالله التوفيق, لقد خطرت لي خاطرة, وبفضل من الله تعالى تم لي الكتابة ما أنا يصدده الآن ومن بعض ما علق في ذهني بعد مذاكرة حضرة سيدنا المعظم عن هذه الأركان الأربعة, اليوم نتكلم عن ركن واحد ألا وهو المحبة وبدأت التفكر وما أعيد إلى الذاكرة حول هذا الموضوع, وأرجو من الله تعالى التوفيق في التعبير عنها, كتابة, لأن المحبة بحر من بحور الحق سبحانه وتعالى... وهذا البحر لا نستطيع خوضه بمعناه الكامل لأن التعبير عن المحبة أو تعريف ماهيتها في حقيقتها لا يستطع إنسان أن يعَّرفها أو يعبر عنها لا كتابة كما هي وما نوعها ولمن هي وما لذة الذائق لها، ومن ذاق عرف، لأنها لا تُعرفْ قولاً ولا كتابةً، ولكن بحسب ذوق الذائق لها يمكن أن يأتي بما شعر به دون أن يوفيها حقها قولاً أو عملاً أو كتابةً، قال أحد العارفين بالله {المحبة تأخذ القلب وتغرقه في بحرها فيصبح محباً
ليس القلب هو الذي يحب}.
نحن أبناء الطريقة الشاذلية اليشرطية لقد سقانا الساقي من دنه وأذاقنا طعمها وشعرنا فيها لذة للشاربين، وفي التصوف عامة نعرف أن بداية المريد في الطريق إلى الله يبدءا بالمحبة، محبة الله ومحبة الرسول ومحبة الشيخ ومحبة إخوانه في جانب الله ومحبة العقيدة الإسلامية الحقة والتي يبدءا بها المريد سيره في هذا الطريق الموصل إلى الله سبحانه وتعالى, هذه المحبة التي تكون البداية للمريد والمطلوبة منه لا يستطع أحد أن يضعها في قلبه ومهما كان على درجة عالية من العلم ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي يضعها في قلبه إذا كان له خصوصية من عند الله سبحانه وتعالى وهو القائل(يحبهم ويحبونه) المائدة )54 وبعد ذلك تظهر عليه هذه المحبة بدون تكليف, بل في سلوكه وفي معاملته مع إخوانه بل في خدمة الشيخ وخدمة الفقراء, وتظهر هذه المحبة لإخوانه من خلال زيارته لهم في منازلهم وفي أفراحهم وفي أتراحهم ولا يستطيع أن يقاطعهم أبداً لماذا؟ ..
لأن المحبة عشقت فيه وعشقتهم جميعاً وكان لها علامة في قلبه, ومن محبته للشيخ أن يتابع إقامة الحضرة الشريفة ولا يقاطعها ويستمع إلى مذاكرات الشيخ عن هذه العقيدة وعمقها في الدين الإسلامي. هناك شرط: صحيح لاستماع مذاكرة الشيخ وأن تستوعب ما جاء فيها وهو أن تأتي فارغاً من علمك وعملك، والدليل على ذلك إذا كان الإناء عندك ملآن فإن ما يقول الشيخ يفيض من ذلك الإناء ولا نعلم ما يوجد به ولا تذكر من تلك المذاكرة الطيبة الكريمة شيأً يذكر، وعندما يسألك أحد عنها تقول بأنك نسيتها، نحن أبنا هذه الطريقة الشريفة نأتي لعند الشيخ لنتعلم ونتفقه من علمه أللدني في التصوف, إن التصوف يعتبر أن لكل شيء ظاهر وباطن وهنا نأخذ التعاليم من الشيخ في الأحكام الشرعية الظاهرة والتي تدل على الله في حقيقتها, أي في باطنها وهذه هي المحبة التي يغرسها في قلوب أبناء هذا الطريق هو صاحب هذه الطريقة الشريفة, وتكون هنالك رعاية حقيقية من جميع أفراد المريدين لبعضهم البعض ويكون هناك نشاط روحي بواسطة الذكر والأوراد التي تلقاها المريد من الشيخ وتقوىَ بذلك عقيدته وإيمانه بالله سبحانه وتعالى ويصبح في حال مداومة على الأوراد والأذكار, ولقد أخذنا عن حضرة سيدنا المعظم شيخ الطريقة جميع الأوراد وهي المسنونة على كل مسلم ومسلمة وهي أن تستغفر الله مائة مرة بقولك(أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه) والصلاة على رسول الله مائة مرة بقولك(أللهم صلي على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحب وسلم)وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) مائة مرة. وهذه الأوراد لم تأتي هكذا ولكن لها أصل في صلب العقيدة ومن صلب الدين الإسلامي قال تعالى (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون )الأنفال 33) هذا عن الاستغفار أي أن الحق قد أبعد عنك عذاب الحياة,وأنت في تلك الحالة والثانية قال تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) الأحزاب 06 )هذا عن الصلاة على رسول الله من صلى عليه مرة صلى عليه عشرة.
وكلمة لا إله إلا الله وهي كلمة التوحيد لو وضعت في كفة الميزان ووضعنا السماوات وما بينهما وال أراضين وما بينهما في كفة لرجحه كلمة
(لا إله إلا الله ) وهذه الأذكار تكون كالتالي أن تذكر الله سبحانه وتعالى دائماً, قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم وأنت تسير في الطريق وأنت في عملك وكيفما كنت تذكر الله كما قال حضرة سيدنا نحن في حضرة ذكر دائم ما دمنا مع الله سبحانه وتعالى ومن كان على هذا الشكل كان في حالة وصل وصلة دائمة مع الله وفي معيته .
إن كل هذه الأمور معروفة لدى الجميع, ونجتمع أحياناً في بعض منازل الإخوة وتكون هناك مذاكرات في العلم الذي تلقيناه من حضرة سيدنا المعظم. وهذه الأمور تأتي من الحديث الشريف
((عن أبي هريرة قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من عبادَ الله عباداً ليسوا بأنبياء يغبطهم الأنبياء والشهداء, قيل من هم يارسول الله لعلنا نحبهم, قال هم قوم تحابوا بنور الله من غير أرحام ولا انتساب وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس, ثم قرأ (إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)يونس 62صدق الرسول عليه الصلاة والسلام, وعن أبي هريرة قال , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم )) وقال عليه الصلاة والسلام المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء..........
واعلم يا أخي أن المحبة الحقة هي التي (نارها تحرق ما سوى المحبوب) أي أنه لا يبقى في قلبك إلا الله وحده لا شريك له, وابن الطريق في محبته هذه وفي أوراده وأذكاره يكون في حصن حصين من شر الشيطان الرجيم, ويأتيه الخير من الله والهدى إلى طريق الحق, والمحبة توفر لك في الطريق أخ ناصح يدلك على الله أثناء مسيرتك في جانب الله, والمحبة هي ذاتها تعطيك راحة في القلب وراحة للنفس وقناعة في ما يسره الله لك وما هيأه في حياتك ونقول راحة للنفس لأنها مبني عليها كل هذه
ومن المحبة تبدءا المسيرة ومن هنا نقول وعلى قدر همة الطالب سيكون الطلب وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله, ونقول فلان أحبه الشيخ وأحبه القوم لماذا أحبوه لماذا ؟..
لأن محبته صادقة فأوجدت عندهم المحبة له وتكون هذه المحبة الصادقة فتقابلوا مع بعضهم على المحبة وهكذا تدور ريحها وعبيرها بين المحبين, على سرر متقابلين, إخوانا, والمبتدئ في الطريق يجب عليه المتابعة, وهنا أيضاً يأتي دور إخوانه في جانب الله لكي يلازمونه وأن يقوموا في تعليمه في الأمور الدينية وأن يكون صادقاً مع كل خلق الله وأن يبتعد عن الكذب لأن الكاذب يبتعد عن الإيمان وأن يكون صادقاً في جميع معاملاته مع الخلق في القول والعمل وهذه صفة المؤمن, والصدق في محبته لإخوانه, والصدق في كل شيء وفي كل ما يخطر على البال من الصدق وأن يكون أميناً لا ينظر إلى أموال الغير وإلى أحوالهم وعنده القناعة التامة أن ما كتب الله له سيأخذه دون شك ولا يستطيع أحد أن يأخذ منه ما كتب الله له من رزق وعيال ومأكل ومشرب, وهنا نقول أن رأس مال المريد هو الصدق والأمانة والإيمان بالله وحده, هنا يأتي دور الأخ في جانب الله كما علمنا شيخنا وأستاذنا قدس الله سره قال إذا أتاكم أخ في جانب الله فليأخذه أحدكم ويبدءا في تعليمه كل ما يحتاج إليه هذا الأخ ولينزل إلى أرضه وبحسب فهمه يعطيه ما يستوعب من الأمور خطوة, خطوة, وتنهض حاله مع حالك حتى يصبح قادراً على حفظ كل ما تعلمه من علم أهل الطريقة الشريفة, عندها يستطيع السير في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى ومن كانت هجرته لله فهجرته لله ومن كانت لغير ذلك فهجرته لما هاجر إليه, قال حضرة سيدنا المعظم لكل أسم صلاة تعَّرفْ إذا تجلى عليك باسم المنعم ماذا تكون صلاته قال (البذل) وصلاة أسم المانع (الرضا) ومعنى البذل هو العطاء لأصحاب الحاجة وهي الزكاة، وإذا منعك من يجبره فتكون في حالة الرضا لأمره, ونحن في التصوف نقول إخواننا في جانب الله تعالى , وهذا مبدءا إسلامي.
عندما آخى الرسول عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار كانت على الله كلها, من يعمل بذلك اليوم, إلا المؤمن, وكانت هذه الأخوة على العقيدة في الإسلام وليثبت الله ورسوله قلوب المهاجرين والأنصار وليكون الأجر والثواب من عند الله تعالى للطرفين المهاجرين والأنصار, وكان قبولهم بهذا الأمر الإلهي هو الأجر والثواب للجميع ,وبقي سيدنا علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه قال وأنا يارسول الله قال عليه الصلاة والسلام أنا أخوك يا علي وكانوا إخوة على سرر متقابلين, وأخوك في جانب الله هنا كما قال حضرة سيدنا المعظم.
( أخوك الذي ينهضك حاله ويدلك على الله مقاله ) أخوك في جانب الله, الذي يكون في مثابة الأخ الروحي الذي يدلك على الله بمعرفته لأحكام الله حتى يصبح كما كانوا المهاجرين والأنصار وهنا تكون قد طهرت بيتك من رجس الشيطان وأصبح بيت للرحمن قال تعالى
(وطهر بيتي للطائفيين والعاكفين والركع السجود ) البقرة 125 )بهذا الحال أنت تعمر بيته وهو يعمر بيتك أي (قلبك )وتُوفق بين حاله وحالك ليشعر معك وتشعر معه هنالك تكون المحبة على الله بين جميع المؤمنين, وهناك يكون صدقٌ في هذه المحبة على الله. المحبة الصادقة أن تأخذ بيد أخيك على الطريق المستقيم حتى يصل بسهولة ويسر وتعمر بيته إذا دعاك إليه قال تعالى
(إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر التوبة) 18/ ) إذا لم تعمر هذا المسجد الذي أردته خالصاً لوجه الله وطاهراً من كل الشوائب ومن كل الخواطر ومن تطلعات النفس بأن تقول أنا..........
إذاً أنت لا تحبه ولم تعمر ذلك البيت ولم تدخل المحبة في قلبك, أما إذا كانت محبتك صادقة وعلى محبة الله ومحبة شيخك, هنا يكون البناء قوياً على الله وأساسه الطريقة الشريفة والمعتقد الذي رسخه في قلبك من (علمك ) هو شيخك.
وهنا نكون قد بنيت هذه العلاقة الروحية بين الجميع, فإنك تحب الجميع وتظهر عليك آثار هذه المحبة بالبذل والعطاء, المحب لا يحب إلا الذات, الروح الجوهر الذي يحمله أخوك والحب في الله هو انفعال بالمحبوب ويتخلله لأن المحبة انفعال بالمحبوب والانفعال صلة والصلة تخلل واندماج (صورة واحدة) إن الله خلق آدم على صورته ليس على صورة هذا المخلوق,( صورته,) أي الصورة التي أرادها له الحق سبحانه وتعالى(هو الذي يصوركم في الأرحام)آل عمران 6) المحبة هي أصل الوجود والمحبة هي فنا ء المحب بالمحبوب ولا تخرج عن طوع المحبوب, أنت تحب شيخك يجب عليك الطاعة سمعنا وأطعنا لأنه لا ينطق عن الهوى فإذا آمنت بذلك فعليك السمع والطاعة وإذا خالفت الإشارة سجل لك المخالفة إما أن تؤمن إيماناً كاملاً وإما أنت بعيد عن محبته فأنظر؟
قال تعالى(يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء 59 إن الله سبحانه وتعالى ضحى وأعطاك هذه المحبة قال ( كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت خلقاً فبي عرفوني ) وعندما يَعمُرُ قلبك بالمحبة أي بمحبة الله ورسوله الكريم ومحبة شيخك عندها لا يدخل هذا القلب أحد غير الله, عندها تجد الراحة القلبية وتعمل بها, تنسى فعل الخلق وتذكر فعل الخالق, لا ترى مع الله شيء عمروا قلوبكم بالإيمان بالله سبحانه وتعالى ) عمروا قلوبكم بالإيمان بالله وبرسول الله تعالى عمروا قلوبكم بالإيمان بشيخكم العارف بالله والدال على الله لكم ..
الفقير إليه سبحانه وتعالى.
عندها يصلح حالكم ومن أحب الله, واللهِ عندها لا يصدر عنه فعل أو من غيره إلا ويرى الله معه ومنه هو, هنا يأتي التسليم لأمر الله في الأشياء كلها وتصبح النفس راضية مرضية من خالقها
فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) الفجر 28 وتتنزل السكينة على قلوب المؤمنين, وسبب وجود المحبة بدءا بها في الحديث القدسي كنت كنزاّ فأحببت أن أعرف, وهنا تبدءا المعرفة عند المريد الذي أراد أن يعرف ما حوله ونقول أن المحب يرى نور الروح لأنه أصبح شفافاً رقيقاً والروح هي من الملاء الأعلى وهم أعرف الخلق بالحق سبحانه وتعالى, وكل واحد يحن إلى أصله فكان نور الروح متعلقاً بالحق سبحانه, لأن أصله من نور الحق فتعلق بالحق ونور الجسد في التراب فتعلق بتراب الدنيا وهي الفانية.........
والحمد لله رب العالمين